السبت، 26 سبتمبر 2026

دبي، الإمارات العربية المتحدة:
في مدينة تتغير ملامحها بسرعة تكاد تجعل الحاضر يبدو عابراً، لا تسير دبي نحو المستقبل وحده، بل تعمل، في الوقت نفسه، على تثبيت ما يسبقها في الذاكرة. فخلال نحو عام ونصف العام، برزت ثلاثة مشاريع مختلفة في طبيعتها، تلتقي عند سؤال واحد: كيف يمكن حفظ قصة مدينة لم تُكتب في الوثائق الرسمية وحدها، وإنما تشكلت أيضاً في قرارات المؤسسات، وسِيَر القيادة، وحكايات الناس؟
من «إرث دبي» إلى «دارة آل مكتوم» ثم «أرشيف دبي»، تتشكل أمامنا ثلاثة مسارات أو دوائر متجاورة للذاكرة: ذاكرة المجتمع، وذاكرة القيادة، والذاكرة المؤسسية. وبين هذه الدوائر تتسع فكرة الأرشيف من مجرد مكان لحفظ الوثائق إلى وسيلة لفهم التحولات التي مرت بها المدينة، وإعادة قراءة حاضرها من خلال ما تركته السنوات الماضية من وثائق وشهادات وصور ومقتنيات وتجارب.
الوثيقة ذاكرة
في مايو 2026، أطلقت مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم مشروع «أرشيف دبي»، بهدف بناء منظومة لإدارة الوثائق والأصول المعرفية الحكومية وشبه الحكومية والتاريخية، بما يحفظ الذاكرة المؤسسية للإمارة، ويعزز إدارة المعرفة والتحول الرقمي. وتقوم المنظومة على توحيد ممارسات الأرشفة وإدارة الوثائق، مع توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث والوصول إلى المعلومات وحفظها.
وبدأت المرحلة التجريبية بمشاركة خمس جهات حكومية، هي بلدية دبي، ومؤسسة محمد بن راشد للإسكان، ودائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري، وهيئة دبي الرقمية، ودائرة الموارد البشرية لحكومة دبي. ويعكس هذا التنوع اتساع مفهوم الوثيقة التي يمكن أن تدخل مستقبلاً في منظومة واحدة، من السجل الإداري إلى المعلومات المرتبطة بالتنمية والخدمات والعمل الحكومي.
لكن أهمية المشروع تتجاوز الجانب التقني، فالوثيقة الحكومية، حين تنتقل من ملف محفوظ إلى مصدر قابل للبحث والدراسة، تتحول إلى جزء من سردية المدينة نفسها، إذ يمكن للباحث أن يتتبع من خلالها كيف تغيرت المؤسسات، وكيف نمت الخدمات، وكيف اتخذت القرارات، وكيف انتقلت دبي من مرحلة إلى أخرى.
ذاكرة القيادة
في دائرة أخرى من التوثيق، تأتي «دارة آل مكتوم»، التي أُنشئت بموجب القانون رقم 28 لسنة 2024، بهدف توثيق الإرث الحضاري المادي والشفاهي لحكام دبي والأسرة الحاكمة، وإنشاء أرشيف للوثائق والمقتنيات والسير الذاتية والإسهامات الفكرية والأدبية، إلى جانب توثيق الدور التاريخي والقيادي لحكام دبي في مسيرة الإمارة وتأسيس دولة الإمارات.
وأُطلقت الدارة رسمياً في أكتوبر 2025، لتكون مرجعاً لتاريخ حكام دبي وأسرة آل مكتوم، وتجمع بين الوثيقة والمقتنى والرواية الشفاهية والدراسة التاريخية.
وهنا يصبح الأرشيف مساحة لقراءة التاريخ من مصادره، وفهم العلاقة بين القرارات والتحولات التي شهدتها المدينة عبر مراحل مختلفة. فالصور والمراسلات والمقتنيات والشهادات الشخصية لا تقدم تاريخاً منفصلاً عن المدينة، بل تكشف جوانب من الطريقة التي تشكلت بها ملامحها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
الناس يكتبون تاريخهم
أما «إرث دبي»، التي أُطلقت في فبراير 2025، فتذهب إلى طبقة مختلفة من الذاكرة، هي الذاكرة التي يحملها الناس. وتقوم المبادرة على جمع القصص والتجارب الحياتية التي عاشها سكان دبي، وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد والتحولات التي شهدتها الإمارة عبر الأجيال.
واللافت في هذا المسار أن المجتمع لا يظهر بوصفه متلقياً للتاريخ، بل شريكاً في كتابته، فالمبادرة تستقبل روايات الأفراد والعائلات، ثم تخضع المشاركات للتدقيق والتقييم من منظور تاريخي واجتماعي وثقافي، قبل حفظها ضمن أرشيف يتيح العودة إليها مستقبلاً.
وهذا النوع من التوثيق يضيف إلى التاريخ ما لا تستطيع الوثيقة الرسمية وحدها أن تقدمه: تفاصيل الحياة كما عاشها الناس، صورة منزل قديم، حكاية عن سوق لم يعد موجوداً، مهنة اندثرت، عادة عائلية، رحلة يومية إلى المدرسة أو العمل، أو قصة عن حي تغيرت ملامحه، كلها تفاصيل تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها تصبح ذات قيمة حين تتراكم وتكشف صورة المجتمع في مرحلة معينة.
100 كتاب من ذاكرة الأهالي
وفي أبريل 2026، أعلنت «إرث دبي» عن خطة لنشر 100 كتاب من قصص أهالي دبي، في خطوة تنقل المادة التي يجمعها المشروع من الأرشيف الرقمي إلى الكتاب بوصفه وسيطاً ثقافياً ومعرفياً متاحاً للقراء والباحثين.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تمنح الرواية الشخصية مساحة إلى جانب الوثيقة الرسمية.
فالتاريخ لا يتكون فقط من القرارات والمراسلات والتقارير، وإنما من الأشخاص الذين عاشوا التحولات، ومن ذاكرتهم اليومية التي تحفظ أحياناً ما لا تحفظه الملفات.
فهم المستقبل
إذا وُضعت المشاريع الثلاثة جنباً إلى جنب، يمكن قراءة المشهد باعتباره انتقالاً من مفهوم «حفظ الماضي» إلى بناء منظومة متعددة المصادر للذاكرة.
«أرشيف دبي» يحفظ جانباً من مسار المؤسسة والوثيقة والقرار، و«دارة آل مكتوم» تجمع مواد مرتبطة بتاريخ القيادة والإرث الحضاري لحكام الإمارة وأسرة آل مكتوم، بينما تفتح «إرث دبي» المجال أمام المجتمع لتوثيق تجاربه ورواياته وذاكرته الحية.
وبهذا المعنى، لا تتنافس هذه المسارات على رواية واحدة للماضي، بل يمكن النظر إليها بوصفها طبقات مختلفة له: ما كتبته المؤسسة، وما حفظته القيادة، وما عاشه الناس.
وفي مدينة مثل دبي، ارتبط اسمها خلال العقود الماضية بسرعة التحول، تصبح هذه الطبقات أكثر أهمية كلما اتسعت المسافة بين الماضي والحاضر.
فكلما تغير المكان، ازدادت الحاجة إلى معرفة ما كان عليه، وكلما تسارعت المدينة نحو المستقبل، أصبحت تفاصيل مراحلها السابقة أكثر عرضة لأن تختفي من الذاكرة اليومية.
خريطة طريق

عند النظر إلى هذه المشاريع مجتمعة، يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً من مفهوم «حفظ الماضي» إلى بناء منظومة للذاكرة، على اعتبار أن «أرشيف دبي» يحفظ مسار المؤسسة والقرار، و«دارة آل مكتوم» توثق تاريخ القيادة، فيما تمنح مبادرة «إرث دبي» المجتمع مساحة ليروي تجربته بنفسه.
والجامع بينها هو تحويل الوثيقة أو الشهادة أو القصة من مادة معرضة للتشتت والنسيان إلى مصدر منظم وقابل للبحث والاستفادة. وفي مدينة سريعة التحول مثل دبي، لا تبدو الذاكرة نقيضاً للمستقبل، بل أحد شروط فهمه. فالمدينة التي تعرف كيف تحفظ قراراتها، وتوثق تاريخ قيادتها، وتسجل حكايات أهلها، لا تصون الماضي فقط، بل تبني للأجيال القادمة خريطة أكثر وضوحاً لفهم الطريق الذي قادها بثبات إلى حاضرها.
لهذا تبدو الأرشفة هنا جزءاً من الثقافة بقدر ما هي جزء من الإدارة. إنها محاولة للإجابة عن سؤال بسيط وعميق في آن: من أين جاءت المدينة التي نعرفها اليوم؟
المدينة لا تحفظ ذاكرتها لكي تعود إلى الماضي، وإنما لكي تستطيع قراءته. والوثيقة، والصورة، والمقتنى، والحكاية الشفاهية، ليست مجرد بقايا زمن مضى، إنها مفاتيح لفهم كيف تغيرت دبي، وكيف تشكلت هويتها، وكيف يمكن للأجيال المقبلة أن تقرأ قصة المكان من مصادر متعددة، لا من صورة واحدة.
. 2026 أطلقت مؤسسة مكتبة محمد بن راشد آل مكتوم مشروع «أرشيف دبي»، بهدف بناء منظومة لإدارة الوثائق والأصول المعرفية الحكومية وشبه الحكومية.
. 2025 أُطلقت دارة آل مكتوم رسمياً لتكون مرجعاً لتاريخ حكام دبي وأسرة آل مكتوم، وتجمع بين الوثيقة والمقتنى والرواية الشفاهية والدراسة التاريخية.
. «إرث دبي» تقوم على جمع القصص والتجارب الحياتية التي عاشها سكان دبي، وتوثيق تفاصيل الحياة اليومية والعادات والتقاليد والتحولات التي شهدتها الإمارة.