الأحد، 30 مارس 2025
دبي، الإمارات العربية المتحدة:
من الواضح أنه حتى الآن هناك تناقض كامن في قلب تقنية الذكاء الاصطناعي التوليدي، فمنذ فترة، بدا أن النماذج اللغوية الضخمة تتفوق بشكل ملحوظ على قدرات البشر في إنجاز المهام بالغة التعقيد.
وقبل ما يزيد على عامين، ظهرت دلائل قاطعة على تمكّن نموذج «تشات جي بي تي» من اجتياز اختبارات شديدة الصعوبة؛ مثل اختبارات القبول بكليات القانون الأمريكية، أو الاختبارات النهائية في جامعات النخبة لاجتياز الماجستير في إدارة الأعمال.
كما تثبت النماذج الأخيرة للذكاء الاصطناعي قدرتها المستمرة على إنتاج نصوص عالية الجودة، مثل المقالات التي يعجز المختصون عن التمييز بينها وبين التي يعدها طلاب الدراسات العليا. رغم ذلك، لم تتوفر حتى الآن أدلة على تسبب الذكاء الاصطناعي في حدوث ارتباك واسع النطاق في سوق العمل، حتى في الوظائف التي يشاع أنها تعد الأكثر تعرضاً للمخاطر العالية. إذاً ما الذي يجري حقاً؟
يسلط بحثان جديدان الضوء على تميز الذكاء الاصطناعي لكن مع عدم قدرته الواضحة على التأثير على وظائف البشر، ويظهر البحثان أيضاً المجالات والموعد الذي ربما تتجلى فيها بالفعل الخسائر واسعة النطاق.
كنت أنا من أجرى أولى الدراستين. وبالاستناد إلى أعمال سابقة أجراها معهد بروكينغز و«أوبن إيه آي»، أجريت تحليلاً دقيقاً لبيانات التوظيف الأمريكي وقارنتها بالاتجاهات الحديثة لأعداد من تم توظيفهم، مقابل قائمة بالوظائف التي صنفت على أنها الأكثر عرضة لخطر الأتمتة.
لقد تبين أن المهام اليومية التي يضطلع بها موظفو الحسابات، ومكتتبو التأمين، ووكلاء السفر، والمستشارون القانونيون، تتقاطع بصورة شبه تامة مع قدرات النماذج اللغوية الكبيرة. لكن أرقام العاملين في هذه الوظائف ظلت ضمن النطاق المعتاد رغم شيوع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي.
وهناك استثناءات بارزة. الكتاب.. وهنا نعني كتاب الكلمات، وليس كتاب الأكواد ومطورو البرمجيات. فهناك مؤشرات تنذر بوجود ارتباك بسبب النماذج اللغوية الكبيرة، إذ انخفض التوظيف في هذا المجال بصورة حادة مقارنة بالاتجاهات المسجلة في العامين المنصرمين.
والأمر هنا لم ينجم عن اتجاهات اقتصادية واسعة النطاق، إذ لم تظهر أعداد الوظائف في قطاعات الحوسبة، والنشر، والتسويق، أي أدلة على هذا الانكماش المفاجئ.
وهناك تباين ملحوظ في حظوظ العاملين في المهن التي يعتقد أنها معرضة لخطر الأتمتة. وتتوافق هذه النتيجة تماماً مع دراسة جديدة أجرتها شركة «إم إي تي آر» لأبحاث الذكاء الاصطناعي في سان فرانسيسكو، والتي تقدم إطاراً جديداً لفهم نقاط قوة الذكاء الاصطناعي ونقاط ضعفه وسرعة تقدمه.
وقد توصل البحث إلى أن قدرة النموذج اللغوي الكبير على تقديم أداء في مهمة بعينها لا تتعلق بمدى صعوبة المهمة بالنسبة لك أو لي، ولا حتى بمستوى المهارات المتخصصة المطلوبة لإنجازها، وإنما بمدى سرعة إتمام البشر لها ومدى «فوضوية» سير العمل وعدم هيكليته.
لذا، فإن إنجاز مهام المساعد التنفيذي، أو وكيل السفر، أو موظف الحسابات، وكلها وظائف تعتمد على الحاسوب وتتطلب مهارات في المستوى الابتدائي، ما زال أمراً يفوق قدرات حتى أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدماً. وما زالت هذه النماذج تواجه صعوبة في متابعة تدفقات المعلومات، والاستجابة إلى المهام المطلوبة في بيئة ديناميكية، وكذلك العمل دون وجود أهداف غير واضحة أو متغيرة، علاوة على أداء مهام متعددة. وتعد هذه المهام الوظيفية بعيدة تمام البعد عن اختبارات كتابة الأكواد والإجابة عن تساؤلات المقالات.
لا أقصد أن أقول هنا إن البشر سيظلون مهيمنين على هذه الوظائف، فقد توصل البحث الذي أجرته «إم إي تي آر»، إلى تحقيق الذكاء الاصطناعي تقدماً قوياً ومطرداً في عدد من المهام، بغض الطرف عن مدى تعقيدها، أو توقيتها، أو «فوضويتها».
وبذلك، يتضح أن المساعدين الإداريين متقدمون بعام أو اثنين. رغم ذلك، فإن ما يميز المبرمجين والكتاب هو أن هذه الوظائف من بدايتها إلى نهايتها، أي ليس فقط أجزاء منفصلة منها، قريبة للغاية مما يبرع فيه الذكاء الاصطناعي، فهي أسئلة لطيفة ومستقيمة ومتسلسلة على غرار الاختبارات ومثلها مثل مهام كتابة المقالات. الجدير بالملاحظة أيضاً أن كلتا الوظيفتين تتسمان بمعدلات مرتفعة من العمل وفق عقود أو العمل المستقل. لذا، يمكن لمساعد ذكاء اصطناعي، مثل «كلود» الذي صنعته «أنثروبك»، أن يحل محل كاتب دون أن يكون قسم الموارد البشرية مضطراً للتدخل.
ويمكننا التفكير في الأمر بطريقة مختلفة، وهي أن «الفوضوية» التي تحمي بعض الوظائف إنما تنبع من التفاعل المتبادل الذي لا يمكن التنبؤ به الخاص في التعامل مع الآخرين. وهناك قدر من المفارقة في إدراك أن الشعار الراسخ بالاعتماد على النفس وضبط سير العمل الشائع في وادي السيليكون ربما تسبب في أن تكون وظائف التكنولوجيا أكثر هشاشة، وليس أقل هشاشة.
وبذلك، يتضح أن الوظيفة التي ينبغي ألا تستهدف العمل بها في الوقت الراهن هي تلك التي تتكون فيها المهام من مهام مستقيمة ويمكن التنبؤ بها. ومثال على ذلك هو كتابة الأكواد التي ستساعدك في تحليل البيانات ثم معالجة النتائج لكتابة مقال ذي طول محدد. يبدو مستقبل أي شخص يعمل بهذا النوع من الوظائف قاتماً، مثل الذين يعملون بكتابة أعمدة المقالات المستندة إلى بيانات.