الأحد 3 مايو 2026 - 08:58:32 م

«اختطاف رقمي».. 5 ثغرات أسرية تستغلها «شبكات الأفكار الهدامة» لاستقطاب الأبناء عاطفياً

«اختطاف رقمي».. 5 ثغرات أسرية تستغلها «شبكات الأفكار الهدامة» لاستقطاب الأبناء عاطفياً

دبي، الإمارات العربية المتحدة:

حذّر مختصون من محاولات استقطاب الشباب واستدراجهم من قِبل الجهات المتطرفة، بغرض الانضمام إلى أفكارها أو شبكاتها، مؤكدين أهمية دور الأسرة الذي لم يعد يقتصر على التربية، بل أصبح يمتد إلى الحماية الفكرية والوعي، وترسيخ حصانة داخلية و«مناعة نفسية»، تحمي الأبناء من التأثر بالأفكار الهدامة، عبر الحوار والثقة والانتماء الصادق للوطن، باعتبار أن كل أسرة واعية تُمثّل خط الدفاع الأول عن الوطن في ظل الأحداث الإقليمية والتطورات المتسارعة التي يشهدها العالم.

وقالوا لـ«الإمارات اليوم»، إن هناك خمسة أخطاء تربوية شائعة قد تكون بمثابة ثغرات تدفع الأبناء إلى البحث عن بدائل، تشمل «غياب الحوار داخل الأسرة، والقسوة الزائدة أو التسلّط، والتقليل من مشاعر الأبناء أو السخرية من أفكارهم، والمقارنة المستمرة مع الآخرين، والإهمال العاطفي رغم توافر الإمكانات»، كما لفتوا إلى أربع فئات تُعدّ الأكثر عرضة للاستقطاب، تضم مَن يعانون العزلة الاجتماعية أو الرهاب الاجتماعي، ومَن مرّوا بتجارب فشل متكررة في العمل أو الحياة، وضعفاء الثقة بالنفس، إضافة إلى من يقضون ساعات طويلة على الإنترنت.

وحددوا ستة مؤشرات سلوكية تستدعي التدخل المبكر، تشمل «تغيَر الشكل والسلوك، وتبدل المبادئ والأفكار والمعتقدات والانتماء، وحدة النقاشات أو الانسحاب الكامل من الحوار مع الأهل، وتغيّر الروتين اليومي، وفقدان العلاقات مع الأصدقاء، وتبدل المحيط الاجتماعي»، داعين الأسر إلى سرعة طلب المساعدة من الجهات المختصة، بما يتيح التدخل في الوقت المناسب لحماية الأبناء وإنقاذهم، مشيرين إلى أن الجهات المتطرفة تعتمد في الأغلب على سبع قنوات وأساليب رقمية، تشمل «منصات التواصل الاجتماعي، وغرف المحادثة، والألعاب الإلكترونية، وتطبيقات المراسلة، والحسابات الوهمية، والمقاطع القصيرة، والمجموعات المغلقة»، وتبدأ عادة بخطاب عاطفي أو إنساني أو ديني عام، قبل أن تتدرج إلى العزل الفكري، والتحريض، وتبرير العنف أو الكراهية.

سؤال برلماني

وتفصيلاً، قالت عضو المجلس الوطني الاتحادي، منى راشد طحنون، إن بناء الوعي الفكري والوطني لدى الأطفال والشباب يُمثّل خط الدفاع الأول لحماية المجتمع، في ظل ما تشهده المنطقة من مستجدات وتحديات متسارعة، مشيرة إلى أنها ستعمل على دراسة الموضوع، وبحث إمكانية التقدم بسؤال برلماني، لتعزيز منظومة التوعية الفكرية، ودعم الجهود الوطنية في حماية الشباب.

وأضافت: «هناك حاجة مستمرة إلى إطلاق مبادرات وبرامج توعوية وطنية موجهة للأطفال والمراهقين، تستخدم أساليب حديثة ولغة قريبة منهم، لتعزيز وعيهم، وترسيخ انتمائهم، وتمكينهم من التعامل مع المتغيّرات بثقة ومسؤولية، وأرى أهمية دعم هذا التوجه من خلال مبادرات تشريعية».

أساليب الاستقطاب الرقمي

وحذّر الخبير في الأمن السيبراني، المهندس أحمد الزرعوني، من تطور أساليب الاستقطاب الرقمي التي أصبحت أكثر دهاءً وتدرجاً، موضحاً أن الجماعات المتطرفة لا تبدأ بطرح أفكارها بصورة مباشرة، وإنما تتسلل عبر محتوى يبدو ترفيهياً أو عاطفياً عبر المقاطع و«الميمز» والقصص المؤثرة، قبل أن تنتقل تدريجياً إلى محتوى يثير الغضب أو يزرع الشكوك في الثوابت الوطنية والدينية.

وأضاف أن هذه الجهات تستغل غرف الدردشة داخل الألعاب الإلكترونية وتطبيقات المراسلة المشفرة لنقل التواصل من المساحات العامة إلى محادثات خاصة يصعب رصدها، حيث يبدأ ما وصفه بـ«الصديق الافتراضي» في كسب ثقة الفرد قبل أن يكشف عن أهدافه الحقيقية.

وأوضح أن الخوارزميات الرقمية تؤدي دوراً محورياً في تعزيز التعرّض للمحتوى المتشدد، إذ صُممت لإطالة مدة بقاء المستخدم على المنصة، وتتعلم من كل نقرة أو مشاهدة، قائلاً: «حين يُبدي الفرد اهتماماً عابراً بمحتوى معين، تبدأ المنصة بتغذيته بمحتوى مشابه ثم أكثر حدة، ما يخلق ما يُعرف بـ(غرفة الصدى) التي يسمع فيها صدى قناعاته فقط، ويُحرم الرأي المتوازن، ما يؤدي إلى انتقال الفرد خلال أسابيع قليلة من محتوى عام إلى متابعة محتوى يحمل أفكاراً هدامة، من دون أن يبحث عنه بنفسه».

وأكّد أن أفضل أداة رقابة هي العلاقة الأسرية المتينة، لا التجسس، ناصحاً باستخدام أدوات مثل «Family Link» من (غوغل)، و«Screen Time» من (أبل)، لإدارة وقت الاستخدام والتطبيقات المسموح بها، كما توفر معظم المنصات الكبرى إعدادات «حساب المراهق» التي تُقيّد التواصل مع الغرباء وتُخفي المحتوى الحساس، لافتاً إلى عدم الالتفاف للقنوات التي حجبتها الدولة عبر تطبيقات الـVPN كونها قد تُعرّض المستخدم للمساءلة القانونية.

الانتماء الحقيقي

وأكّدت ‪مؤسسة ورئيسة جمعية «المرأة سند للوطن‬» عضو ‬مجلس أمناء الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، الدكتورة أمينة الماجد، أن حب الوطن لا يُلقَّن بل يُعاش، مشيرة إلى أن الأسرة التي تريد أبناءً منتمين يجب أن تحوّل الوطن من مجرد «كلمة» إلى سلوك يومي، عبر احترام القوانين أمام الأبناء، والمشاركة في المناسبات الوطنية، وربط الأبناء بقصص الإنجازات وقِيَم الآباء المؤسسين، وإشراكهم في الأعمال التطوعية.

وقالت إنه في ظل عالم متسارع ومفتوح، لم يعد دور الأسرة مجرد تربية، بل أصبح حماية فكرية وبناء وعي، مشيرة إلى أن الأبناء اليوم لا يحتاجون إلى التعليم فحسب، بل إلى حصانة داخلية تُبنى على الحوار والثقة والانتماء الصادق لهذا الوطن، مؤكدةً أن كل أسرة واعية هي خط الدفاع الأول عن الوطن.

وأشارت إلى أن التوازن بين حماية الأبناء ومنحهم مساحة للتفكير والاستقلال هو مفتاح التربية في هذا العصر، موضحة أن دور المدرسة أصبح يتجاوز التعليم الأكاديمي إلى بناء الهوية الوطنية، وتعزيز التفكير الواعي من خلال الأنشطة والمناهج والنماذج التربوية.

وحذّرت من أخطاء تربوية شائعة قد تدفع الأبناء إلى البحث عن بدائل خارجية، وتشمل «غياب الحوار داخل الأسرة، والقسوة الزائدة أو التسلط، والتقليل من مشاعر الأبناء أو السخرية من أفكارهم، والمقارنة المستمرة مع الآخرين، والإهمال العاطفي رغم توافر كل الإمكانات»، مؤكدةً أن هذه الأخطاء قد تدفع الأبناء إلى البحث عن الاحتواء خارج البيت، وقد يجدونه في بيئات أو أفكار غير آمنة.

مشكلات نفسية

وقالت الاستشارية النفسية، لمى الصفدي، إن هناك فئات أكثر عرضة للتأثر بالأفكار المتطرفة، تشمل «مَن يعانون العزلة الاجتماعية أو الرهاب الاجتماعي، والشباب الذين مرّوا بتجارب فشل متكررة في العمل أو الحياة»، إذ يكون الوصول إليهم أسهل عبر الإغراء بأي وسيلة.

وأوضحت أن الأطفال والمراهقين الأكثر عرضة للاستقطاب الفكري هم مَن يعيشون في ظل غياب الدعم الأسري والانتماء العاطفي والنفسي داخل الأسرة، مشيرة إلى أن انشغال الوالدين المستمر، أو وجود انفصال بينهما، أو معاناة الأبناء من الاضطهاد وسوء العلاقة مع الأهل والأصدقاء، كلها عوامل تزيد من قابلية الاستهداف، لافتة إلى أن ضعف الثقة بالنفس، وصعوبة التواصل مع الآخرين، إلى جانب قضاء ساعات طويلة على الإنترنت، تجعل الطفل أو المراهق أكثر قابلية للانتماء إلى مجموعات افتراضية يشعر أنها تُمثّل عالمه.

وأكّدت أن بناء «مناعة نفسية» لدى الأبناء لحمايتهم من التأثر بالأفكار الهدامة يبدأ من إقامة علاقة صحية قائمة على الصراحة وتقبل الخطأ والدعم المستمر، مشددة على أهمية تعميق الثقة بالنفس، لأن الطفل أو المراهق الواثق بنفسه يصعب اختراقه فكرياً، إلى جانب ترسيخ علاقة ودية تجعل الأسرة هي بوصلته وملاذه الآمن.

وأوضحت أن هناك خمسة مؤشرات رئيسة تستدعي التدخل المبكر، تشمل «تغيّر كلّ من الشكل، والسلوك، والمبادئ والأفكار، والمعتقدات، والانتماء، بجانب وحدة النقاشات أو الانسحاب الكامل من الحوار مع الأهل، وتغيّر الروتين اليومي، وفقدان العلاقات مع الأصدقاء، وتبدل المحيط الاجتماعي»، داعيةً في حال ملاحظتها إلى طلب المساعدة من الجهات الرسمية، مثل «خدمة الأمين»، إذ يسهم ذلك في معرفة طبيعة التأثيرات أو المواقع التي يتعرّض لها الابن، والتدخل في الوقت المناسب، لإنقاذ الأبناء وحمايتهم.

عقوبات واحتواء

وأكّد المحامي الدكتور عبدالله آل ناصر، أن دولة الإمارات تتعامل مع محاولات الاستقطاب الفكري ونشر الأفكار المتطرفة من خلال منظومة قانونية صارمة، أبرزها قانون مكافحة الجرائم الإرهابية، وقانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، وقانون حقوق الطفل، ولا يتعامل القانون مع التطرف باعتباره مجرد رأي، متى ارتبط بالتحريض، أو الترويج أو الاستقطاب أو نشر الكراهية أو المساس بأمن الدولة والسلم المجتمعي، بل يقرر مسؤولية قانونية واضحة على من يُروّج أو ينشر أو يعيد تداول هذا النوع من المحتوى.

وقال: «مسؤولية أولياء الأمور تقوم على الرعاية والرقابة والتوجيه، خصوصاً إذا كان الابن قاصراً، ولا يُسأل ولي الأمر تلقائياً عن كل تصرف يصدر من الابن، لكن قد تكون المسؤولية إذا ثبت وجود إهمال واضح، أو علم بالخطر من دون تدخل، أو ترك الطفل يتعامل مع محتوى أو حسابات مشبوهة من دون أي متابعة».

وتابع: «إذا اكتشف الأهل تعرّض أحد الأبناء لمحاولات استقطاب، فينبغي أن يكون التصرف هادئاً وسريعاً، يبدأ بالحوار وفهم مصدر التأثير، ثم وقف التواصل مع الحسابات أو المجموعات المشبوهة، مع حفظ الأدلة من دون إعادة نشرها، وبعد ذلك يجب اللجوء إلى الجهة المختصة، سواء المدرسة أو الجهات التربوية أو الأمنية أو قنوات حماية الطفل، بحسب خطورة الحالة، المهم أن تتعامل الأسرة مع الأمر كحالة حماية وإنقاذ مبكر، لا كأزمة عقابية فقط».

وأوضح أن محاولات الاستقطاب تبدأ عادة بخطاب عاطفي أو إنساني أو ديني عام، ثم تتدرج إلى العزل الفكري والتحريض وتبرير العنف أو الكراهية.

وأكّد أن مجرد التفاعل أو إعادة نشر محتوى مشبوه قد يُعرّض الشخص للمساءلة القانونية إذا تجاوز الأمر المشاهدة العارضة، خصوصاً إذا كان المحتوى يضر بالأمن أو الوحدة الوطنية أو السلم المجتمعي، قائلاً: «يجب على الشباب تجنب إعادة نشر أي محتوى مشبوه حتى بدافع الفضول أو التعليق أو المزاح، لأن إعادة النشر قد تمنح المحتوى انتشاراً وتضع صاحبه تحت طائلة المساءلة».

وأضاف أن القوانين في دولة الإمارات تسهم في تحقيق التوازن بين الردع والوقاية فمن جهة، قرّر المشرع عقوبات صارمة على الترويج أو التحريض أو الاستقطاب أو إعادة نشر المحتوى المتطرف، ومن أبرز النصوص ذات الصلة المادة 34 من القانون الاتحادي رقم 7 لسنة 2014 في شأن مكافحة الجرائم الإرهابية، والمادتان 21 و24 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2021 في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية، والمواد 6 و7 و11 من المرسوم بقانون اتحادي رقم 34 لسنة 2023، بشأن مكافحة التمييز والكراهية والتطرف، وتصل العقوبة، في بعض صور الترويج للتنظيمات الإرهابية أو استقطاب الأعضاء عبر المواقع أو الحسابات الإلكترونية، إلى السجن المؤبد والغرامة التي لا تقل عن مليونَي درهم، ولا تجاوز أربعة ملايين درهم، كما قد تصل في بعض الجرائم الإرهابية الأشد جسامة إلى الإعدام أو السجن المؤبد، بحسب طبيعة الفعل ونتيجته.

وبيّن أنه في المقابل لا تقتصر فلسفة هذه القوانين على العقاب فقط، بل تمتد إلى الوقاية والتأهيل والتدخل المبكر، إذ تجيز المادة 21/3 من قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية للمحكمة، في غير حالات العود، أن تقرر بدلاً من العقوبة إيداع المتهم في دور المناصحة أو وضعه تحت المراقبة الإلكترونية، ومنعه من استخدام وسائل تقنية المعلومات، كما تنص المادة 40 من قانون مكافحة الجرائم الإرهابية على إيداع من يُشكّل خطورة إرهابية في مركز للمناصحة بقرار من المحكمة.